ابن الجوزي
111
أخبار الظراف والمتماجنين
فيه ، وأنا أعني أداته . فأقبل ينادي بذلك ، فاجتمع أهل السوق ، والمارة على المنادي ، وقالوا له : يا عدو اللّه تنادي على مصحف بالبراءة مما فيه ! قال : وأوقعوا به ، فقال لهم : ذلك الرجل القاعد أمرني بذلك . فتركوا المنادي ، وأقبلوا عليّ ورفعوني إلى الوالي ، وكتب في أمرى إلى السلطان فأمر بحملي فحملت مستوثقا مني ، واتصل خبري بابن أبي داؤد ، فلم يزل يتلطف في أمري حتى خلصني . قال أبو العيناء : كان سبب خروجي من البصرة ، وانتقالي عنها أني مررت بسوق النخاسين « 1 » يوما فرأيت غلاما ينادي عليه ، وقد بلغ ثلاثين دينارا ، وهو يساوي ثلاثمائة دينار فاشتريته ، وكنت أبني دارا فدفعت إليه عشرين دينارا على أن ينفقها على الصنّاع فجاءني بعد أيام يسيرة ، فقال : قد نفذت النفقة . قلت : هات حسابك فرفع حسابا بعشرة دنانير . قلت : فأين الباقي ؟ قال : اشتريت به ثوبا مصمتا « 2 » ، وقطعته . قلت : ومن أمرك بهذا ! قال : يا مولاي لا تعجل فإن أهل المروآت والأقدار لا يبعيون على غلمانهم إذا فعلوا فعلا يعود بالزين على مواليهم . فقلت : في نفسي أنا اشتريت الأصمعي ، ولم أعلم . قال : وكانت في نفسي امرأة أردت أن أتزوجها سرا من ابنة عمي . فقلت له يوما : أفيك خير ؟ قال : أي لعمري . فأطلعته على الخبر ، فقال : أنا نعم العون لك فتزوجت ودفعت إليه دينارا فقلت له : اشتر لنا كذا وكذا ، ويكون فيما تشتريه سمك هازبي « 3 » فمضى ورجع ، وقد اشترى ما أردت إلّا أنه اشترى سمكا مارماهي « 4 » فغاظني ، فقلت : أليس أمرتك أن تشتري هازبي ؟ قال : بلى ، ولكني رأيت بقراط يقول : إن الهازبي يولد السوداء ، ويصف المارماهي ويقول : إنه أقل عائلة . فقلت : أنا لم أعلم أني اشتريت جالينوس ، وقمت إليه وضربته عشر مقارع « 5 » . فلما
--> ( 1 ) سوق النخاسين : النخاس هو الذي يبيع الرقيق والدواب . ( 2 ) الثوب المصمت : الذي لا يخالطه لون آخر . ( 3 ) هازبي : هو نوع من السمك . ( 4 ) مارماهي : هو أيضا نوع منالسمك . ( 5 ) المقارع : جمع مقرعة وهي السّوط .